محمد طاهر الكردي
188
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
سقيفة بني ساعدة صاروا إلى الأنصار ، فجئت السقيفة فوجدت أبا بكر وعمر ، رضي اللّه عنهما ، وأبا عبيدة وسالما وجماعته من قريش ، ورأيت الأنصار فيهم سعد بن عبادة ومعهم شعراؤهم ، وأمامهم حسان بن ثابت وكعب في ملأ منهم ، فأويت إلى الأنصار فتكلموا فأكثروا ، وتكلم أبو بكر فلله من رجل لا يطيل الكلام ويعلم مواضع الفصل - واللّه لتكلم بكلام لم يسمعه سامع إلا انقاد له ومال إليه ، وتكلم بعده عمر ، رضي اللّه عنه ، بكلام دون كلامه ومد يده فبايعه ورجع أبو بكر ، رضي اللّه عنه ، ورجعت معه فشهدت الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم وشهدت دفنه . ثم أنشد أبو ذؤيب يبكي رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم : لما رأيت الناس في علاتهم * ما بين ملحود له ومضرح فهناك صرت إلى الهموم ومن بيت * جار الهموم يبيت غير مروح كسفت لمصرعه النجوم وبدرها * وتزعزعت آطام بطن الأبطح وتزعزعت أجبال يثرب كلها * ونخيلها لحلو خطب مفدح . . . الخ فمعنى قوله : فعن لي شيهم قد أرم على صل : الشيهم ذكر القنفذ ، والصل : الحية ، وأرم بمعنى : عض . [ اشتغال الناس بإقامة خليفة ثم بغسل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ودفنه ] فلما مات رسول صلى اللّه عليه وسلم وعرف الناس ذلك ورجع إليهم صوابهم ونزلت السكينة عليهم أغلق أهله دونه الباب ليتفرغ الناس أولا من إقامة خليفة عليهم ، فمكث صلى اللّه عليه وسلم في بيته بقية يوم الاثنين الذي توفي فيه ، وليلة الثلاثاء ويومه وليلة الأربعاء - ، فلما انتهى المسلمون من أمر الخليفة وجمعهم اللّه تعالى على أبي بكر الصديق وفرغوا من بيعته - وكانت البيعة أول الأمر يوم الاثنين ، يوم وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في سقيفة بني ساعدة ، ثم كانت البيعة العامة من الغد في المسجد يوم الثلاثاء . فلما انتصب أبو بكر ، رضي اللّه تعالى عنه ، خليفة على المسلمين - أقبلوا على تجهيز رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والاشتغال بأمره ليلة الأربعاء . فإذا نظرنا بإمعان وجدنا أن أمر إقامة الخليفة أهم من الاشتغال بتجهيز رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإن الشيطان ينتهز فرصة الغفلة فيوقع الشقاق والاختلاف بين المسلمين - ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حفظ اللّه وأمانه ورعاية الملائكة الكرام لن يمسه سوء ، ولقد كاد الخلاف والنزاع أن يستولي على المسلمين ، ولكن اللّه تعالى تداركهم برحمته